محمد باقر الملكي الميانجي

22

مناهج البيان في تفسير القرآن

قوله تعالى : « إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) » . قال في لسان العرب 3 / 177 : الراصد بالشيء : الراقب له . . . . روى أبو عبيد عن الأصمعيّ والكسائيّ : رصدت فلانا أرصده ؛ إذا ترقّبته . وأرصدت له شيئا أرصده : أعددت له . . . . قال أبو بكر : قولهم : فلان يرصد فلانا معناه : يقعد له على طريقه . قال : والمرصد والمرصاد عند العرب : الطريق . . . . والمرصاد : الموضع الّذي ترصد الناس فيه . أقول : الّذي ذكره بناء على كون المرصاد اسما للمكان الّذي يرصد فيه . وهذا أوجه ما قيل في هذا الباب ؛ مثل منهاج اسم للمكان الّذي ينهج فيه . ولا أرى وجها لما قيل إنّه من صيغ المبالغة ( تفسير الرازي 31 / 12 ) مثل معمار ومعطار ومضراب ، لاحتياجه إلى مؤونة زائدة وعناية أخرى . أي : إنّ جهنّم لشدّة غيظها وغضبها على أعدائه تعالى كانت كثيرة الترقّب عليهم ، وإنّ المترصّد بالحقيقة هو اللّه سبحانه أو الملائكة الموكّلون على النّار لتعذيب الكفّار الطّاغين . فتكون نسبة الترصّد إلى جهنّم باعتبار العناية والعلاقة . قوله تعالى : « لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) » . الطّغيان : هو التجاوز عن الحدّ والخروج عن حريم العبوديّة . وقوله تعالى : « مَآباً » اسم مكان من آب يؤوب بمعنى الرّجوع . وليس المراد من الرجوع الإياب بعد الذهاب . بل الظّاهر أنّ المراد مقرّ الحكم وانتهاء التقدير . كما في قوله تعالى : « إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ » ( الغاشية / 25 ) وقوله - عليه السّلام - في الزّيارة الجامعة الكبيرة : « وإياب الخلق إليكم » . ( الفقيه 2 / 612 ) والظّاهر أنّ قوله تعالى : « لِلطَّاغِينَ مَآباً » كلام مستقلّ منفصل عن الآية السّابقة ، والتقدير : إنّ جهنّم كانت للطّاغين مآبا . وقوله تعالى : « لِلطَّاغِينَ » متعلّق بقوله : « مَآباً » . وقيل : إنّ التقدير : إنّ جهنّم مرصاد للكلّ ومآب للطّاغين خاصّة . ( تفسير الرازيّ 31 / 13 ) وفيه : انّ جهنّم ليست مرصادا للمقرّبين والمؤمنين إذ لا محصّل لتهديد المتّقين